كتبه / أكرم مبـــارك عصــــبان Osban_akm@hotmail.com
إننا نريد أن نجيل الفكرة في هذا المبحث عن أهم قضية في التصوف ، ونطيل النظرة في مفهوم التوحيد من زاوية التصوف الذي ينصرف إليه الاسم عند الإطلاق ، وهذه القضية تعد الصفة الكاشفة لبقية المفاهيم لأنها تقود إليها ، وقبل أن نشرع في الإبانة فإنه يحسن بنا أن نرسي قواعد من خلال هذه الإطلالة تعيننا على فهم المقصود ثم ننطلق في غمار البحث :
أولا : لا شك أن المنتسبين للتصوف ليسوا سواء في الاعتقاد ، وعليه يبنى التفصيل في الحكم ، فإن منهم أمة باقية عند الاسم دون المسمى ، لا زالت تعيش أيام النشأة المرتبطة بتزكية النفس وتجريد القلب عما سوى الله ، والوقوف مع الآداب الشرعية قبل أن يغادر التصوف أسوار هذه المدرسة التي تعني بالزهد إلى بيداء مضيعة ، وصحراء مهلكة لا تمت للنشأة بقرابة ، ولو بقي التصوف على النشأة لم نهجر إلا اسمه ، ونحن لا يضيرنا القول بوجود منافع في بعض فروع التصوف المقتبسة من مشكاة الحق حتى لا نضيع الوقت في جدل عقيم لا يفيد شيئا ، ولكن ذلك لا يفي عند الشراء منه بما تضمنه من مضار علقت به ، فلا يخدعنا المبطلون في التذرع بذلك لتسويق حقيقة التصوف عند من لا نظر له ، فمن الناحية العملية لا تكاد اليوم تلمح فرقة لا يحوي قاموسها الحديث عن القطب الغوث الذي يتزعم الأولياء ممن تنضح تراجمهم بخوارق عظيمة ، وأين الفرقة التي لا يؤم قبور أوليائها فئام الناس المعتقدين فيهم ؟ وما هي الطريقة التي لا تعني بالفناء بأغلظ صوره ، ويمهد له بذكر المجاهدات التي تنوء بها الطبيعة البشرية .
ثانيا : إن مناط الحديث إذا هو عن مدرسة انتقلت إلى مسجدِ ضرار يبث من خلاله عقائد كاسدة وتنطوي على مفاهيم فاسدة منها الوحدة وما خرج من رحمها كالحقيقة المحمدية ويقصدون بها الذات الإلهية مع التعين الأول ، وكذا الإنسان الكامل الذي يعبرون عنه بأنه حق متصور في صورة خلقية ! أو خلق متحقق بمعاني إلهية! وأما عالم الأولياء فقد أوكلوا إليه إدارة شؤون الكون ويترأسهم القطب الغوث ، ولقد سخرت الجوانب العملية في خدمة هذه الأهداف وصارت مطية للغاية الفلسفية ، وأضحت الخلوة والمجاهدة العنيفة التي تقود إلى إماتة النفس تشم فيها رائحة الرهبانية ، ويكون ذلك عبر مقامات يشرف عليها الشيوخ الذين يحاطون بتقديس ويوصفون بالحفظ لينقاد لهم الأتباع وذلك مستعار من القواميس الشيعية، ولكن ينبغي أن يميز أهل الاستقامة عن متكلمة الصوفية فضلا عن أصحاب الحقائق ، وهم الذين وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بمشايخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبدالله التستري وأمثالهم ..)
ثالثا : إن بعض المفاهيم لا سيما الموغلة في الفلسفة يتوارى عنها الذين يتبنون الحديث عن التصوف في الإعلام حتى ترى بادي الرأي أنها طلل موحش لا يسع أصحابه إلا إطالة الوقوف أمامه ، أو أنها عبارة عن نظريات فلسفية معقدة قد تصرم أربابها ، وهذا كلام يزيف عند النقد ، ولا يؤيده التأمل إلى الآثار التي خلفتها والثمار السيئة في الواقع ، والسعي الحثيث في تقديم إرث الصوفية وتكريس هذه المفاهيم من خلال مراكز علمية ودعوية وإعلامية مختلفة ، ولو أنها قد توارت في رمسها ، وانمحى رسمها لأهيل عليها التراب ، ولم يحاول دعاتها اليوم دبغ إيهابها بعدما تغلظت نجاسته ، ولو جرد هؤلاء التصوف عما سبق من مفاهيم لأفرغوه من مضمونه ولم يقيموا له سوقا ، ومن البر ما يكون عقوقا ، ولذا فلا بد منا إزالة لبس المبطلين ، ونفي تأويل الغالين من تشويه جمال الدين ، ولله در الشيخ أبي عمرو بن الصلاح حين أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي وقال أخذها منه أفضل من أخذ عكا ، مع أن الآمدي أحسن أرباب العلوم الكلامية إسلاما وأمثلهم اعتقادا ، وما عليه الصوفية ما بلغ معشار ما كان عليه .
رابعا : بقي أن نشير إلى أن التوحيد الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب هو أعدل العدل قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) وهو الذي يلامس الفطرة ، ويخاطب العقل ، ويقارن العلم ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) وأما توحيد الصوفية فوعورته تقضي أن لا يصل إليه إلا الخواص كما يزعمون ، والعجب لا ينقطع من طائفتين متناقضتين في معنى التوحيد ، فالأولى سمت نفسها أهل العدل والتوحيد وهم المعتزلة ، وقصدوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الإلهية موافقين للجهمية ، وأما الأخرى فأهل التصوف الذين جعلوا الفناء هو التوحيد ،وفيه يخلع على الواصل صفات الإلهية كما سيأتي(1)
ما المراد بالتوحيد ؟
التوحيد مراده عندهم الفناء ، فإذا ظفر الصوفي به ألقى عصاه واستقر به النوى ، ويقصدون بالفناء أن يفنى عن الكون ، ويغيب عن الموجودات حتى يقرب من محبوبه ، وعلى قدر هذا الفناء يكون مقدار القرب ، فيصل إلى نعيم المشاهدة بمطالعة الأنوار ومكاشفة الأسرار ، ويسمى هذا المقام مقام الجمع والسكر والاصطلام والغيبة والمحو ، وما يزال الصوفي يرقى في معراجه حتى يغيب عن نفسه ويذهب عن حسه ويفنى عن فنائه ويدخل مقام جمع الجمع ، ولأن التوحيد هذا قد اغترب عن المفهوم الشرعي فإن الظفر به لا يقوم على العلم والفطرة والعقل بل هو وراء كل ذلك حين يمضي الصوفي زمنا في الرياضة ذات الأركان الأربعة ( الجوع والصمت والخلوة والسهر ) وقد يبدل الصمت بالذكر كما يتبدل الخلوة بالسياحة ، ويستعان بالسماع للتعجيل من الوصول للغاية ، وهناك مقامات لا بد من اجتيازها ولا يتم ذلك إلا بواسطة شيخ يسلم له المريد كل التسليم ، ويكون عنده كالميت عند مغسل ، ولا يعترض عليه البتة ، وقد يطرأ ما يسمونه الجذب فينتقل السالك على جناحه إلى الغاية ، والذي يتحصل لنا في هذا الموضوع ثلاث مراحل
الأولى: مرحلة الفرق الأول وهي الاحتجاب عن الحق بالخلق ما دام يرى الإنسان الكون .
الثانية : مرحلة الفناء أو الجمع حين يفنى عن الخلق ويبقى بالحق .
الثالثة : مرحلة البقاء أو الصحو بعد المحو أو الفرق الثاني فلا يحجب صاحبها الخلق عن الحق ولا الحق عن الخلق ، وأما مقام جمع الجمع فإنه الاستغراق في الذات بالكلية .
إذن فقد اتفق الصوفية على ورود حقيقة التوحيد ألا وهي الفناء ولكنهم اختلفوا في الصدور عنها إلى ثلاث شعب الأولى فأهل الفناء في الشهود وهم من لم يشهد من الأغيار عينا ولا رسما عند مفارقة السوى ، والثانية أرباب الوحدة التي نادى بها ابن عربي ومن سار بسيره كابن الفارض ، والثالثة أصحاب الحلول والاتحاد التي حمل لواءها الحلاج ، وربما تداخلت هذه الشعب ونزل القائل بالإتحاد الشهودي والعيان من عقبته إلى ساحة الإتحاد الوجودي في الأعيان ، وهم صنف من أهل الشهود ، والصنف الآخر قد يفارق أصحاب الوحدة إلى حد التكفير ، كما أن أصحاب الوحدة يبرأون من الحلول وقرينه الاتحاد ، ولا يترددون في تكفير القائل به لأنه يشعر عندهم بالإثنينية وما ثم إلا هو، ولكن قد يستعيرون معنى الاتحاد بمعنى الوحدة أيضا ، فهم من هذه الحيثية شيع ومتشاكسون ، والفناء دحض تزل فيه الأقدام حين يحاول تصويره لأنه محال .
وأما مقام البقاء فيأتي بعد أن ينتهي الصوفي من سفره إلى مقام الجمع ، ويغيب عن فنائه ثم يعود بعد ذلك إلى التمييز ، ورؤية نفسه وكذا الأشياء من حوله ، وهو ما يسمى الفرق ، ولكنه قطعا ليس الفرق الأول الذي يكون صاحبه فيه محجوبا بالخلق عن الحق فحاشا الصوفي عندهم أن يقطع العقبات ويتجاوز المقامات ليعود إلى سيرته الأولى ، بل ينزل مقام البقاء أو الفرق الثاني وهو الخلافة ويتحلى بصفات القطبية وتصريف القدرة كما يزعمون .
الغزالي يشرح التوحيد
لقد تصدى الغزالي في إحياء علوم الدين ( 2)إلى توضيح هذا المفهوم حين تحدث عن صاحب المرتبة الرابعة في التوحيد وهو أعلى الطبقات عنده فقال بأنه موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل من حيث أنه واحد !!.ويتابع حديثه قائلا فإن قلت كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا ؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب، فقد قال العارفون إفشاء سر الربوبية كفر ثم أضاف وإلى هذا أشار الحلاج حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال فيم أنت ؟ فقال أدور في الأسفار لأصحح حالتي في التوكل فقال الحلاج :قد أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد
وهذا ابن عربي يخوض فيه ويحذو بالغزالي حذو القذة بالقذة ونظمه في فتوح الغيب بقوله :
وغص في بحر ذات الذات تنظر معــــــــاني ما تبدت للعيان
وأسراري قراءة مبهمـــــــــــات مسكرة بأرواح الـــــــمعاني
فمن فهم الإشارة فليــــــــــصنها وإلا سوف يــــــقتل بالسنان
كحلاج المـــــــــــــحبة إذ تبدت له شمــــس الحقيقة بالتداني
وقال أنا هو الحق الــــــــذي لا يغير ذاتـــــــــــه مر الزمان
لفحات من الطبقات : ولو ابتعدنا قليلا عن الغزالي وابن عربي لتكون الحوالة هنا على طبقات الشعراني وهي مليئة ، وتعد دستورا لكثير من المتأخرين كما أن صاحبها يتمتع عندهم بقبول حسن ، فمن أحال عليه فليتبع ، وننقل ما وصفوا به التوحيد على النحو التالي :
ـ أبو المواهب الشاذلي قال في معنى قولهم ( إن للربوبية سرا لو ظهر لعطل نور الشريعة ) المراد به الفناء وإعطاء سر التكوين ، وأن العبد يفعل ما يشاء !!.
ـ ويقترب علي بن وفا من التفسير أكثر فيصرح بقوله : السر ما لا يشهده إلا واحده ، فمن شهدت سره فاعلم أنك أنت هو ، من حيث حصل لك هذا الشهود !
ـ وأما إبراهيم الدسوقي فهو يقرر أن فيض الربوبية إذا فاض أغنى عن الاجتهاد فإن صاحب الجهد قاصرا ما لم يقرأ في لوح المعاني سر عطاء القادر ، وليس مطلوب القوم إلا هو ...
وهو القائل أيضا : من أدخل دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظمة بقي هو بلا هو .
ـ ويقول أبو الحسن الشاذلي في أمر هذا السر وحال صاحبه : فإذا أمده الله بنور سر الروح وجد نفسه جالسا على باب ميدان السر ، فرفع همته ليعرف هذا الموجود الذي هو السر ، فعمي عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس بشيء ! ( 3)
التوحيد سر خطير يجب كتمانه :
وهكذا نجد أن هناك سرا اكتشفه هؤلاء بواسطة اقتحامهم البحار ، التي لم يخض فيها الأنبياء، وأن هذا السر ظاهره كفر فلا ينبغي إفشاؤه وإلا لما سمي سرا فالواجب صيانته عن الأغيار ، لكن قد يستثنى من الخروج عن حفظ السر لمن كان معذورا بغلبة وهو حال كثير ، أو كان مأذونا له وهم قليل ، أو كان متحدثا بالنعمة وهذا أقل ، ومع هذا العذر فإن عليه أن يتحمل التبعات ، ونظرا لخطورة هذا المقام فقد تواصوا بالكتمان ، وحذروا من التهاون في ذلك أشد التحذير ، بل ربما صانوا سرهم عن أقرب المريدين فضلا عن المحبين ، وأبعد ما يكون عن القاصرين ، وأما المعترضين فلا بد أن تضرب بينه وبينهم أسوار وحجب غليظة ، ولذا نقلوا عن الجنيد ـ وسيرته تأبى ذلك وتربأ به عنه ـ بأنه قال لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق !! وذلك لأنه إذا نطق بعلوم الأسرار لا يسع الصديقين إلا أن ينكروا عليه ، وأما إبراهيم الدسوقي الذي اعتنى بمريديه عناية فائقة فإنه يصرح أنه لم يجد أحدا منهم يصلح لحمل الأسرار غير أن عمر القرشي سبقهم حين استخلصوا من أصحابه الستمائة أربعة فقال لو تكلمت بكلمة من الحقائق على رؤوس الأشهاد لكان أول من يفتي بقتلي هؤلاء الأربعة4
وقفة مع أنواع التوحيد
وخلاصة المقام أن التوحيد ينحصر عندهم في الفناء ، وفيه يحصل الواصل على السر ويتصف بصفات محبوبه كما يزعمون حتى ربما قال أنا هو ، ولذا تصرف إليه العبادة ، وهنا نجد أنواع التوحيد الثلاثة قد طوي بساطها في هذا المقام ، فمن الربوبية التصرف في الكون ، وهذه كتب التراجم للأولياء وأقطاب طافحة بالتصرف بالإحياء والإماتة ، وأنهم يعطون كلمة كن ، والشفاعة وغيرها من أفعال الله التي انفرد بها وتغني شهرتها عن عدها ، ولو ذهبنا نستقصي المفردات لضاق البحث بمساحته ، وهنا ينبغي يكون دعاء الولي في هذا المقام له نفسه لأنه قد وصل مقام الاتحاد ولا يعتبر بهذا المعنى الدقيق واسطة فلينتبه !!
وأما النوع الثاني المتعلق بأفعال العباد فقد صرفت للموتى من استغاثة ونذر وذبح وغيرها من أفعال المتعلقين بهم نتيجة ما دونت لهم من خوارق ، والعجيب أن الموت لا يحول بين الولي وفعلها فهذا محمد الحنفي في مرض موته يقول : من كانت له حاجة فليأت إلى قبري ويطلب حاجته أقضها له !! ثم زاد في غيه فقال : فإن ما بيني وبينكم غير ذراع من تراب ، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل ! وأعجب من ذلك أن زوجة الحنفي هذا لم تراع وصيته عند الموت ، وحادت عنها فكانت تقول يا سيدي أحمد يا بدوي خاطرك معي ، وتنقلنا الحكاية مباشرة من فراش مرضها إلى عالم القبور حيث يبدو البدوي في المنام وهو ضارب لثامين ! وعليه جبة واسعة الأكمام ، عريض الصدر أحمر الوجه والعينين ، ويقول لها كم تنادين وتستغيثين ؟ وأنت لا تعلمين أنك في حماية رجل من الكبار المتمكنين ، ونحن لا نجيب من دعانا وهو في موضع أحد من الرجال !! قولي يا سيدي محمد يا حنفي يعافيك الله تعالى ! فقالت ذلك فأصبحت كأن لم يكن بها مرض .( 5 )
وأما توحيد الأسماء والصفات فكما قرروا أن أفعال الولي أفعال هي الله فصفاته كذلك قال أبو العباس المرسي: لو كشف عن حقيقة ولي لَعُبد لأن أوصافه من أوصافه ونعوته من نعوته !! وقال علي بن وفا : إذا رأى العارف أنه عين معروفه فلا عليه بأس في تعظيم العباد له ، وقد أراد الشعراني إعرابها فأعجمها: ومعنى كونه عين معروفه أن يتخلق بصفاته التي أمره بالتخلق بها وهذا مبني على أن الصفات عين لا غير فافهم .
فله من تجليات الأسماء مظاهر فيعلم العوالم والخواطر والمغيبات ، ويسمع وينطق بالقرآن في كلمة ويسمى الطي ، والحياة كذلك لا ينسى نصيبه منها، وأما الرحمة فقد تصل عند بعضهم أن يتمنى إطفاء الجحيم والآخر يشفع لأهل قرنه ، وثالث لمن دخل مدرسته ، ورابع إلى من صلى عليه ولو كان جمادا ( 6) ولا نعفي أنفسنا في الختام بمسك من نوع آخر في حادثة قديما بجهتنا الحضرمية تبحث شفاعة الأولياء للعصاة وقد امتدت هذه الشفاعة ـ حين صلى رجل من عامة الناس على أحد الأولياء ـ لتبلغ اللحم الذي اشتراه لأهله ، وكان بمعيته في الصلاة ، وبعد انصرافه من الصلاة عاد لأهله باللحم فلم تؤثر النار فيه أبدا ، فتذكر أن اللحم شهد الصلاة معه ودخل في الشفاعة !! واستقر عندي قديما أنها لأحد شيوخ هذه الجهة حتى تخيلت مكان ذلكم الرجل الذي وقف في الجبانة ، وإذا بها من حكايات الطبقات مع تعديل طفيف حيث أبدل السمك باللحم في روايتنا ربما لأن منطقتنا ليست حاضرة البحر وليس ثم سمك طري ، نعم قد نحمل قولهم في اللحم على الحقيقة الشرعية الواردة في قوله ( لحما طريا ) فلا يكون هناك اختلاف في الروايتين ، ولكن يشكل عليه ما أفاده بعض الفقهاء بأن من حلف أن لا يأكل لحما لا يحنث بأكله السمك حملا على الحقيقة العرفية والله أعلم .
( 1) انظر فتح الباري 13/ 344 ـ 348 وقد ذكر أن نفر الجنيد منه فقال (التوحيد إفراد القديم عن المحدث ) ثم تكلم عن المحو والفناء عن أكابرهم وأنه جر ذلك بعضهم إلى معذرة العصاة ثم غلا بعضهم فعذر الكفار ثم غلا بعضهم فزعم أن المراد بالتوحيد اعتقاد وحدة الوجود وعظم الخطب حتى ساء ظن كثير من أهل العلم بمتقدميهم وحاشاهم من ذلك وقد قدمت كلام شيخ الطائفة الجنيد وهو في غاية الحسن والإيجاز وقد رد عليه بعض من قال بالوحدة المطلقة فقال وهل من غير ، ولهم في ذلك كلام طويل ينبو عنه سمع من كان على فطرة الإسلام والله المستعان .
فلا حــي إلا عن حيـــــاتي حياته وطوع مرادي كل نفس مريدة
وأسمع أصوات الدعاة وسائر الــــــلغات دون مــــــــــــــقدار لمحة
وأتلو علوم العالمـــــــين بلفظة وأجلو علوم العالمين بلــــــحظة
وأستعرض الآفاق عني بخطوة وأخترق السبع السموات بخطوة
ومني لو قامت بميت لطــــــيفة لردت إليه نفــــــــــسه وأعيدت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد :
من أكرم عصبان إلى الشيخ محمد المقدي حفظه الله
فهذه مناقشة آراء د/ علي جمعة مفتي مصر حول مسألة الطواف بالقبور التي أثارها د/محمد عبد الغفار الشريف في جريدة الوطن الكويتية العدد 10857 ، وكانت قد اختصرته لمجلة الفرقان الكويتية بطلب من الشيخ أحمد المعلم ويبدو أنه تأخر بعض الشيء وها هو أرسله كاملا لتتطلعوا عليه وترسلوا منه نسخة للشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف وقد سبق أن أشرت إليه ولكن لطول المدة حصل نسيان .
إن من أتم النصح وآكده التحذير من الشرك وسد الذرائع المفضية إليه ، وبيان خطورة العقوبة المترتبة عليه ، ونقيض ذلك هو الغش البين لعامة المسلمين من تهوين جناب الشرك ووسائله وتبرير أفعال العوام الوالغين فيه ، ولإن يوضح ذلك لهم حتى يحذروا منه ويبتعدوا عنه خير من التلبيس الذي يسيغه لهم ولا يغير من حقيقة الأمر شيئا من تأمل هديه عليه الصلاة والسلام في محاربة أسبابه فهم هذه الجملة وكذا الصحابة من بعده وحرص فقهاء الإسلام فأفردوا من كتب الفقه باب الردة ، وهذه التوطئة نريد من خلالها أن نلج إلى مناقشة د/جمعة مفتي مصر في أصول ثلاثة تؤدي بمجموعها إلى إقفال باب الشرك والكفر ، ويدافع كل واحد بمفرده عن الشرك ونضع بين يدي المناقشة هذه الوقفات الأربع :
الأولى ـ لقد فرح د/جمعة بما نقله في مسألة الطواف بالقبور بأن أقوال العلماء فيها دائرة بين الكراهة والتحريم فقام في تأصيله الثلاثة الأصول بإلحاق كل الأقوال والأفعال التي حكم الشارع بكفر فاعلها بها ، وهو إلباس بالغ في الإيهام ، فأفسدها المسألة من حيث أراد إصلاحها ، والحقيقة أن مناط من تكلم في الطواف بالقبر ممن نقل عنه مجردة عن غيرها إنما هو النهي لما فيها من التعظيم البالغ كأنه في مرتبة الكعبة ، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم كما هو مناط الذين أطلقوا الشرك فيها ، فالتشبه بذلك مكروه عند بعضهم وينبغي أن يكون كراهة تحريم كما هو قول الجمهور ، فخلط د/جمعة بين المناطين وأنزل الأول المقيد بمسألة الطواف التي هي آخية للسجود للقبر والاستغاثة بصاحبه عنده كما سيأتي ابتغاء التسوية بين المناطين ثم الاحتجاج بعد ذلك عليهما معا بنقل أقوال العلماء في الأول منهما .
الثانية ـ إن الطواف الذي يدندن حول ويقرنه بالسجود للقبر ويشفع ذلك بالحديث عن الاستعانة والدعاء لغير الله هو مضاد لإخلاص التوحيد لأنه صرف العبادة لغير الله ولذلك يطلق العلماء الشرك على فاعلها في سياق الأفعال التي تقترن به من غير تفصيل قال ابن القيم في حديثه عن مكائد الشيطان في إضلال القبوريين ( يتخذ قبره وثنا يعكف عليه ، ويوقد عليه القناديل ، ويعلق عليه الستور ، ويبنى عليه المسجد ، ويعبده بالسجود له ، والطواف ب ، وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده ، ثم ينقله ـ أي الشيطان ـ درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ) إغاثة اللهفان 1/217.
الثالثة ـ ما ذكر من الطواف بالقبور إنما هو ثمرة لذرائع أخرى قد سدها الشرع ، فخالفها أولئك لما تجرأوا على إقامة القباب على القبور ووضع التوابيت عليها، وتعظيم الأموات ، وأما لو كانت القبور على السنة النبوية مسوية بالأرض لما وجدت هذه المسألة سبيلا قال الشوكاني ( فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور ووضع الستور عليها وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة ، وتحسينها بأكمل تحسين ، فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عيه قبة فدخلها ونظر على القبور الستور الرائعة ، والسرج المتلألئة وقد سطعت حوله مجامر الطيب فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيما لذلك القبر ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين وأشد وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلا قليلاً حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه فيصير في عداد المشركين ) 76
ـ الوقفة الرابعة كلام شاهد عدل على ما يكون في مثل هذا الطواف وهو رشيد رضا يصور جماعة من هؤلاء القبوريين ( تطوف حول قبر السيد البدوي الذي تحول إلى كعبة ثانية وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقرته العجيبة في قضاء الحوائج .) دمعة على التوحيد 64
قوله ( الأصل الأول الذي في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تحمل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد ، ولا يجوز أن نبادر برميه بالكفر أو الشرك ، فإن إسلامه قرينة قوية توجب علينا ألا نحمل أفعاله على ما يقتضي الكفر .. )
وهذا أصل مبني على قواعد غلاة المتكلمين من مرجئة الجهمية الذين تبعهم من زعم أن الشرك لا يكون في الأفعال كالسجود لغير الله والذبح له والاستغاثة به ودعاءه من دون الله ولا يكون ذلك شركا إلا مع الاعتقاد وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالتصريح بالجحود ، والعموم الوارد في لفظة ( الأفعال ) في عبارة د/ جمعة يفيد ذلك وزاده توضيحا بذكر الأمثلة التي سنناقشها ، كما أن المراد بلفظ الأفعال أيضا ما يقابل التصديق فتشمل عمل اللسان فكما يدخل دعاء غير الله يدخل أيضا سب الله تعالى وقد صرح في التمثيل على الأصل بمثالين للأفعال ( لفظي وفعلي ) .
والتكفير عند أهل السنة حكم شرعي يكون بالقول والفعل ، وضابط القول والفعل المكفرين هي التي نص الشارع على كفر من أتى بها ، وهذا واضح في كتب العقائد ، وأفاض الفقهاء في ذكره في أبواب الردة من كتب الفقه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفرَ بذلك ) الصارم المسلول ص 177 .
وأما اشتراط الاعتقاد في قول الكفر فقد رد ابن الوزير على قائله بما نصه: ( وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفرا إلا مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء ، والاعتقاد من السرائر المحجوبة فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص ) إيثار الحق 419
وقد ذكر العلماء أنواعا من هذه الأفعال التي يكفر فاعلها دون اشتراط الاعتقاد نذكر منها :
ـ قال الإمام أحمد في رده على جهم في مذهبه الفاسد ( يلزمه أن يقول إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه ، وصلى للصليب ، وأتى الكنائس والبيع وعمل الكبائر كلها إلا أنه في ذلك مقر بالله فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا ، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم ) كتاب الإيمان 384
ـ وقال أبو إسحاق بن راهويه : ( قد أجمع المسلمون أن من سب الله وسب رسوله عليه الصلاة والسلام ، أو دفع شيئا مما أنزل الله ، أو قتل نبيا من الأنبياء أنه كافر بذلك ، وإن كان مقرا بما أنزل الله ) الصارم المسلول 512
ـ وقال القاضي عياض ( وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل كالسجود للصنم ، والشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير ، وفحص ، الرؤوس فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر ، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ) الشفاء .
ومن لم يقل بهذا القول فقد استدرك على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتال أهل الردة وادعى أنه قتل قوم أقروا بالدين قال أبو يعلى ( وأيضا فإنه إجماع الصحابة وذلك أنهم نسبوا الكفر إلى مانع الزكاة ، وقاتلوه وحكموا عليه بالردة ، ولم يفعلوا ذلك بمن ظهر منه الكبائر ، ولم يفعلوا ذلك بمن ظهر منه الكبائر ، ولو كان الجميع كفرا لسوّوا بين الجميع ) مسائل الإيمان 330
وقد درج الفقهاء في باب الردة من كتب الفقه وكذا الفتاوى على أن الكفر قد يكون بالقول والفعل والاعتقاد وقال السبكي ( التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدا ) الفتاوى وأدرك المتأثرون بالأشاعرة والماتريدية أن تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط أو التصديق مع النطق بالشهادتين عند المرجئة غير مانع لانتفاء الإيمان مع فعل بعض الأمور التي تعمدها كفر فاحتاجوا إلى إضافة قيد لتعريف الإيمان بهذا المفهوم قال الزبيدي ( وعلى القول بأن مسمى الإيمان التصديق بالقلب كما هو قول الأشعري والماتريدي ، أو بالقلب واللسان كما هو مذهب الحنفية ، فقد ضم إليه في تحقق الإيمان أمور الإخلال بها إخلال بالإيمان إتفاقا ، كترك كل من سجود الصنم ، وقتل نبي ، أو استخفاف به والمصحف ... قال الإسفرائيني : فإذا وجد شيء من هذه الإخلالات السابق ذكرها دلنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه ) إتحاف السادة
وقال ابن حجر العسقلاني : ( فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم ) فتح الباري 1/63 وقد نقل الإجماع عن تقي الدين السبكي على تكفير من سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه وإن كان معتقدا بالإسلام إجمالا عاملا بالواجبات فتح الباري 12/299
وقال ابن حجر الهيتمي: ( وإن نحو السجود لنحو الشمس من مصدق بماء جاء به النبي عليه الصلاة والسلام كفر إجماعا ثم إنه كونه كفرا بأنه يدل على عدم التصديق ظاهرا ونحن نحكم بالظاهر ولذا حكمنا بعدم لإيمانه لأنه عدم السجود لله داخل في حقيقة الإيمان ) التحفة باب الردة
وقال ابن حجر الهيتمي أيضا( والحاصل أن الإيمان على هذه الطريقة التي هي طريقة المتكلمين له حيثيات النجاة في الآخرة وشرطها التصديق فقط ، وإجراء أحكام الدنيا ومناطها النطق بالشهادتين مع عدم السجود لغير الله ورمي المصحف بقاذورة ، وغير ذلك من الصور التي حكم الفقهاء بأنها كفر ) التحفة
وقولهم أن ذلك أمارة للكفر أو دال عليه ناشئ من تعريف الإيمان عند المرجئة وحصره في التصديق وهو ليس صحيحا بل السجود للصنم وغيره مما ذكروه كفر في حد ذاته وشرك بالله تعالى في العبادة ، وأما أنه كافر في الظاهر وقد يكون مؤمنا في الباطن وناجيا في الآخرة فإنه من كيس غلاة المرجئة .
والأشاعرة الذين زعموا أن من فعل ما يكفر به كفر وعللوا ذلك بأنه لانتفاء التصديق إنما هو للجمع بين ما قرروه في مسمى الإيمان وبين ما ذكره الفقهاء من حصول الكفر بمجرد الأفعال المكفرة ، ويتضح هذا في مسألة من سب الله التي لم يجدوا مخرجا في إيجاد هذا التوافق فيها .
قال ابن حزم ( وأما الأشاعرة فقالوا إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم ، وإعلان الكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية ، والإقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا ، ثم لما خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا لكنه دليل على أن في قلبه كفرا ) الملل وانحل 5/75
وقال شيخ الإسلام ( اعترف الأشاعرة بما في أقوالهم من التناقض فالتزموا أن كل من حكم الشارع بكفره فإنه ليس في قلبه من معرفة الله ولا معرفة رسوله ، وقد أنكر عيهم هذا جماهير العقلاء وقالوا هذه مكابرة وسفسطة ) كتاب الإيمان 140
وقال أيضا ( ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب فقالوا إنما كفر لأنه سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام واعتقاد حله تكذيب للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة وإنما الإهانة دليل على التكذيب ) الصارم المسلول 491
فالذين قالوا بأن من أتى بقول أو فعل مكفرين كفر ظاهرا وباطنا في الدنيا ولآخرة من الفقهاء والأشاعرة فقد وافقوا أهل السنة واختلفوا في تفسير ذلك قال شيخ الإسلام ( قولهم كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى ، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ) الإيمان 364
وأما القائلون بكفره ظاهرا في أحكام الدنيا وقد يكون مؤمنا في الباطن إذا كان مصدقا بقلبه وإنما جعلوا الأقوال والأفعال دالة على الكفر لإجراء أحكام الدنيا فهذا قول الغلاة من المرجئة قال شيخ الإسلام ( ولهذا كفر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيدة وغيرهم أصحاب هذه المقالة لأنها تكذيب بخبر الله تعالى بأن هذا كافرا ظاهرا وباطنا وهم يقولون يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن ) الإيمان 188
والخلاصة أن من أتى بمكفر من قول أو فعل نص الشارع عليهما فإنه يكفر بذلك من غير تقييد كفره باشتراط الاعتقاد وعلى ذلك أهل السنة ونص عليه الفقهاء ووافقهم الأشاعرة مع الاختلاف في التفسير وخالف غلاة المرجئة فحكموا بكفره ظاهرا وجوزا أن يكون مؤمنا باطنا ولكن د/ جمعة قد تبع قول جهمية المرجئة الذين لا يحكمون بتكفير من أتى بمكفر من قول أو فعل ما دام عنده قرينة الإسلام ولم يقترب من الأشاعرة أو مرجئة الفقهاء فضلا عن أهل السنة وهذه الأقوال المكفرة التي ذكره العلماء تلزمه فإن لم يلتزمها فقد نقض أصله وإلا فقد نادى على نفسه باتباع الغلاة نعوذ بالله من الخذلان .
قوله ) وقد عبر الإمام مالك عن ذلك بقوله < من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجها ويحتمل الإيمان من وجه نحمل أمره على الإيمان >)
هذه الجملة عليها عدة ملاحظات هي :
ـ الاستدلال بها في هذا الموضع في غير موضعه لأن مراد قائلها هو في الحكم على المعين فيكون الاستدلال من هذه الحيثية فيه جهل ، وأما نسبة قائلها إلى عدم الحكم بما حكم الشارع أنه كفر ففيه ظلم .
ـ لم يذكر الدكتور مصدر نسبتها إلى الإمام مالك فإن صحت عنه فذاك وإلا فالمشهور أنها لبعض الأحناف كما قال جمال الدين القاسمي ( لما استفحل الرمي بالتكفير والتضليل لخيار العلماء في منتصف قرون الإلف الأولى من الهجرة ضجت عقلا الفقهاء وصوبت سهام الردود في وجوه زاعمي ذلك حتى قالت الحنفية عليهم الرحمة ما معناه : لو أمكن أن يكفر المرء في أمر من تسعة وتسعين وجها ومن وجه واحد لا يكفر يرجح عدم التكفير لخطره في الدين ) الجرح والتعديل 39
ـ إن تحذير الشارع من خطورة التكفير قد جاء مبينا في النصوص الشرعية بما يغني قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ..)
وعن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا ( أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) رواه الشيخان وفي بيان ذلك يقول الإمام الشوكاني ( واعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أو ضح من شمس النهار فإنه قد ثبت في الأحاديث المروية عن طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) السيل الجرار 4/578
ـ لا يمكن أن نستدل بهذه العبارة في تهوين الكفر الثابت بالنصوص وإيصاد باب الردة فنحكم بإسلام من ثبت كفره بدليل ، وهذا مسلك لا يقل خطورة ولا انحرفا عن التسرع في التكفير وكلا قصد طرفي الأمور ذميم ومن هنا أفاض الفقهاء في بيان أنواع الشرك حتى يحذره العامة ونصوا على دون ما خاض فيه د/جمعة من السجود للقبر والطواف به قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر ( بيان الشرك وذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعها في الناس على ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك ، فإذا بان لهم بعضها فلعلهم أن يجتنبوها لئلا تحبط أعمالهم ويخلدوا في أعظم العذاب وأشد العقاب ، ومعرفة ذلك أمر مهم جدا ) 1/28
ـ العبارة واضحة في تكفير المعين وهناك بون شاسع بينه وبين التكفير المطلق بالأفعال التي يكفر بها فاعلها قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولا يكون القول به كفرا ، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر ، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ) الدرر السنية 8/244
قوله ـ في ذكر مثال قولي للأصل ـ ( فإذا سمعنا مسلما موحدا يقول أنا أعتقد أن المسيح يحي الموتى ونفس تلك المقالة قالها آخر مسيحي فلا ينبغي أن نظن أن المسلم تنصر بهذه الكلمة بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه إلى الإسلام )
هذا المثال الذي ساقه د/ جمعة ليس دقيقا في تطبيقه على القاعدة التي ذكرها لاشتماله على حق وباطل ، فصدور هذه اللفظة من المسلم تصديقا بكتاب الله لا يدخلها في دائرة ما يصدر عن المسلم من أفعال تقتضي الكفر فلا حاجة لذكرها هنا البتة ، ولو كان دقيقا لذكر لنا ما هو من أفراد القاعدة التي أصلها كسب الله تعالى والإستعانة بغيره ودعاء غيره وغير ذلك مما سيظهر أنه مراده قريبا وأقول في هذا المقام أنه لا يخفى على الدكتور أن طوائف من المتصوفة ينسب إحياء الموتى إلى الأولياء في الكرامات التي ينقلونها عنهم وهو قدح في الربوبية فماذا سيقول الدكتور يا ترى فيمن زعم أن وليا يحي الموتى وعلى ماذا يحمل ما صدر عنه ؟ سيقول لنا أن المعنى اللائق بانتسابه بأن المؤثر هو اله كما سيأتي في الأصل الثالث .
قوله ـ في ذكر مثال فعلي للأصل ـ ( لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال ، ولذلك لما سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان ـ نهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك ، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك أو الكفر ، وبدهي أن معاذا ـ وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام ـ لم يكن يجهل أن السجود عبادة وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله ، ولكن لما كان السجود يحتمل وجها آخر غير عبادة المسجود له لم يجز حمله على العبادة إذا صدر من المسلم وتكفيره بحال )
أما الأمور التي حكم الشارع بكفر فاعلها فلا تدخل في الشك والاحتمال ، والتمثيل هنا بسجود معاذ رضي الله عنه خارج عن القاعدة لأنه سجود تحية كما سيأتي وإنما المثال المناسب للقاعدة ما كان شركا كالسجود للقبر وسيشير إليه الدكتور على استحياء لاحقا .
فالأصل أن السجود عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ( والعبادة الشرعية تتضمن غاية الذل لله تعالى مع غاية المحبة له ) العبودية ص 44
والذين مشوا على قواعد المتكلمين من جهمية المرجئة ـ خلافا لمرجئة الفقهاء والأشاعرة ـ زعموا أن هذا السجود ليس شركا ما لم يتضمن الاعتقاد وقد اتفقت جميع الشرائع على أن السجود لغير الله شرك قال ابن القيم ( ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما : غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية ، وتفاوت منازل الخلق بحسب تفاوفتهم في هذين الأصلين ، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه ، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع ... فمن خصائص الإلهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به ) الجواب الكافي 183 وقال أيضا في زاد المعاد بعد أن ذكر السجود للمشايخ والركوع للمتشبهين بالعلماء والقيام للجبابرة ( وقد نهى رسول الله عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل فتعاطيها مخالفة صريحة له ، فنهى عن السجود لغير الله وقال لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد وأنكر على معاذ لما سجد له وقال : مه ، وتحريم هذا معلوم من دينه ضرورة ، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو أبلغ أنواع العبودية ، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع اليسير فقد جوز عبودية غير الله ...... والمقصود أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وطافت لغير بيته .. وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين ، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل ، وهم الذين بربهم يعدلون قال تعالى ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) ص 159
هذا هو المقصود بأن السجود لغير الله يعد شركا لأنه صرف عبادة لغير الله وقد خلط د/ جمعة بينه وبين سجود التحية ومعلوم أن سجود التحية كان سائغا في الشرائع السابقة ثم صار محرم في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام وحديث معاذ الذي استشهد به يدل على ذلك ( لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك لك فقال ( لا تفعلوا فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) وقد استوفى الشيخ الألباني طرق هذا الحديث عن جماعة من الصحابة في الإرواء 7/55
ولو ساق د/ جمعة الحديث بتمامه ولم يقتصر على بعضه لاتضح قول معاذ أن أولئك النصارى إنما كانوا يفعلونه مع ملوكهم وعظمائهم تحية ، وعن قيس بن سعد رضي الله عنه قال أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم ، فقلت : رسول الله أحق أن يسجد له ، قال فأتيت النبي عليه الصلاة والسلام فقلت : إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك ، قال أرأيت إن مررت على قبري أكنت تسجد له ؟ قال قلت : لا قال فلا تفعلوا . لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق رواه أبو داوود
وتأمل ذلك تجد أن المراد سجود التحية الذي كان يفعله من كان قبلنا وهو إنما يكون للحي ولا يستقيم أن يكون تحية للميت كما أشار عليه الصلاة والسلام إليه قال الطيبي ( أي اسجد للحي الذي لا يموت ولمن ملكه لا يزول فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالا فإذا صرت رهين رمس امتنعت عنه ) عون المعبود ، ومن خالف ذلك فسجد تحية لقبر النبي يكون عاصيا كما نقله د/جمعة عن الذهبي .
وقد قال الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ألا نسجد لك كما ورد في حديث أبي هريرة في قصة الجمل، ولو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما قد سجد إخوة يوسف عليهم السلام ليوسف ونقله الدكتور عن الذهبي أيضا.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ) : ( وقد كان سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرم هذا في هذه الملة ، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى ، هذا مضمون قول قتادة وغيره .. والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم ولهذا خروا له سجدا ) 2/419
ونقل الإجماع ابن عطية في تفسير هذه الآية على أنه سجود تحية فقال ( واختلف في هذا السجود فقيل كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض وقيل بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحيتهم للملوك في ذلك الزمان ، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود ـ على هيئة كان ـ فإنما كان تحية لا عبادة قال قتادة : هذه كانت تحية الملوك عندهم ) 9/377
وقد خالف هذا النهي جهلة المتصوفة كما ذكره القرطبي بقوله ( وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء كان للقبلة أم غيرها جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم) التفسير 1/ 294
والتعظيم في حقه على الصلاة والسلام في إتباعه وطاعته وتقديم ما يحبه على ما يحبه المسلم كما وهو الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث أنس قال ( لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك ) رواه الترمذي
وهكذا يتضح لنا بجلاء أن ما ساقه من مثال فعلي خارج عن الأصل وليس فيه ما يتطرق إلى تكفير فاعله خلافا للسجود للصنم أو نحوه كالقبر .
قوله ( والإخلال بهذا الأصل الأصيل هو مسلك الخوارج حيث وضح ابن عمر رضي الله عنه أن هذا هو مدخل ضلالتهم فقال : انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ..)
قد عرفنا سابقا أن الأصل المشار إليه هنا مبني على قواعد المتكلمين وأنه أصيل في كلام جهمية المرجئة ويؤكد هنا د/جمعة أن الإخلال به مسلك الخوارج ولم يوفق في تقريره لأن مسلك الخوارج هو تكفير المسلمين بالذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر وغيرها من الذنوب المفسقة وهي ليست مناط حديثنا الذي ينصب حول ما يصدر من قول وفعل مكفرين ، أما الكبائر التي ذكرت فإن مذهب أهل السنة عدم تكفير فاعلها لأنها لا تخل بأصل الإيمان إلا إذا كان فاعلها مستحلا قال شيخ الإسلام ( ولهذا قال علماء السنة في وصفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب ) الفتاوى 12/ 474
ومن هؤلاء العلماء الإمام البخاري حيث عقد في كتاب الإيمان من صحيحه ( باب المعاصي من أمر الجاهلية لا يكفر صاحبها إلا بالشرك ) فتح الباري1/84 وقال في معتقده الذي نقله عنه الألكائي( ولم يكونوا يكفرون أحدا من أهل القبلة بالذنب لقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) شرح اعتقاد أهل السنة 1/175 وانظر إلى فقه هذا الإمام وتحرير عبارته في إخراج أنواع الشرك من الذنوب التي لا يكفر فاعلها تجده يرد على طائفتين هما الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب كما يرد على غلاة المرجئة الذين لا يكفرون بأنواع الشرك من الأفعال فلله دره من إمام وما أفقهه .
وأما مراد ابن عمر في مسلك الخوارج فقد فسره سعيد بن جبير فقال : مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ويقرنون معها ( والذين كفروا بربهم يعدلون ) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا قد كفر ...) الشريعة للآجري 1/342
وأما نسبة الذين يحذرون الناس من أنواع الشرك إلى مسلك الخوارج فإنها شنشنة وجهت إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وننقل رده على بعض هؤلاء في قوله ( وأما المسألة الثالثة وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام : أن أهل العلم قالوا : لا يجوز تكفير المسلم بالذنب ، وهذا حق ولكن ليس هذا ما نحن فيه ، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى أو سرق أو سفك الدم بل بكل كبيرة إذا فعلها المسلم ، وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك ، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك ، وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر .... أرأيت أصحاب رسول الله لما قاتلوا من منع الزكاة فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون وأنت وأبوك الذين تفهمون ؟ يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا ) الرسائل الشخصية 233
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رده على ابن جرجيس بما يتناسب مع المقام ( وأما قوله إن الشيخ أحمد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لا يكفران أحدا من أهل القبلة فيقال لو عرف هذا من أهل القبلة في هذا الموضع ومن المراد بهذه العبارة لما أوردها هنا محتجا بها على دعاء غير الله وعدم تكفير فاعله ، ومن أعرض عن كلام أهل العلم ورأى أن من صلى وقال لا إله إلا الله فهو من أهل القبلة وإن ظهر منه الشرك والترك لدين الإسلام ما ظهر فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة وكشف عن حاصله من العلم بالدين وبهذه المقالة، وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله قول القائل : لا نكفر أهل الذنوب ، وهذا يزعم أنه على مذهب الإمام أحمد ، ومقصود من قالها إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب ، وهذا وضع كلامهم في غير موضعه ، وأزال بهجته لأنه تأوله في أهل الشرك ودعاء الصالحين فالتبس عليه الأمر ولم يعرف مراد من قال من السلف ، وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله وسنة رسوله وبإجماع أهل العلم ، وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب بابا مستقلا في هذه المسألة وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة ، وقرروا من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه ، وجزموا بأن العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه ودعائمه لا بمجرد القول والصلاة مع الإصرار على المنافي ، وهذا يعرفه صغار الطلبة ، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم ، فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب ، فالدعوى عريضة والعجز ظاهر ) الدرر السنية ص 290
قوله ( ثانيا : هناك فارق كبير وبون شاسع بين الوسيلة والشرك فالوسيلة مأمور بها شرعا في قوله تعالى ( يا أيها الذين اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) فأثنى على من يتوسلون إليه في دعائهم فقال ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا )
الوسيلة هي التقرب إلى الله بالطاعة والعمل الذي يحبه الله ويرضاه فلا مدخل للتوسل بالأشخاص في هذا الحد قطعا . قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى التي ذكرها ( وابتغوا إليه الوسيلة ) يقول : واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه والوسيلة الفعيلة من قول القائل توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه ...ثم روى بإسناده إلى أبي وائل في معنى وابتغوا إليه الوسيلة قال القربة في الأعمال وذكر نحوه عن عطاء والسدي ومجاهد والحسن وقال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه وقال ابن زيد المحبة تحببوا إليه ) 10/289
قوله ( والوسيلة في اللغة المنزلة والوصلة والقربة فجماع معناها هو التقرب إلى الله تعالى بكل ما شرعه سبحانه ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى والملتزم تعظيما لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأماكن ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الأخير تعظيما لما عظمه الله من الأزمنة ، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين تعظيما لما عظمه الله من الأشخاص ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيما لما عظمه الله من الأحوال )
معنى الوسيلة إذا التقرب بالعمل الذي يرضيه سبحانه وهو تفسير واضح لكن د/ جمعة أفرد تعظيم ما عظمه الله بالذكر لكي يصل إلى ما يتلخص عنده من معنى الوسيلة وهي تعظيم بالله ليتوصل إلى ما سيدخله في هذا الحد من السجود للقبر والطواف به لأنه تعظيم للمقبور .
والوسيلة في كل ما تم التمثيل به في هذه الجملة إنما هو بالعمل الصالح كالصلاة في المسجد الحرام وقيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الجمعة وكذا حال السفر وعند نزول الغيث وحب الأنبياء والصالحين وأما الدعاء عند قبر المصطفى فيرده ما ورد عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن النبي قال لا تتخذوا قبري عيدا ...أخرجه أبو يعلى... قال الإمام مالك في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل جدارها مربعا ) إقتضاء الصراط 365
وينبغي الإشارة هنا إلى أن إدخاله التعظيم يجب أن يكون مقيدا بما عظمه الله لأن بعض العوام يخلط في هذا المقام ويعظم ما لم يرد فيه نص وهو من قديم كما قال ابن عمر رضي الله عنه رجعنا العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة من الله رواه البخاري وقال ابن حجر ( وسيأتي في المغازي موافقة المسيب بن حزن لابن عمر على خفاء الشجرة وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن من تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه اليوم مشاهد فيما هو دونها وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله كانت رحمة من الله أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى ) فتح الباري 6/117 وموافقة المسيب المشار إليها عن طارق بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت ما هذا المسجد قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله تحت الشجرة قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقد عليها فقال سعيد إن أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم ، قال ابن حجر ( قد قدمت الحكمة في إخفائها ..ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت ) فتح الباري 7/447
قوله ( أما الشرك فهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير لله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله حتى لو كان ذلك بغرض التقرب إلى الله كما قال تعالى ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وإنما قلنا على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى لإخراج كل ما خالف العبادة في مسماها وإن وافقها في ظاهر اسمها ..)
هذا التعريف للشرك سيعبر عنه بتعريف آخر هو التعظيم مع الله أو من دون الله وأما قوله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله فإن هذا قيد لا طائل من ذكره إذا كان حد العبادة جامع مانع فما وافقها في الاسم دون المسمى لا يشمله التعريف ولا فائدة من الاستكثار من ذكر الشواهد كما فعله الدكتور ويبعد أن يكون مراده حمل أفعال المسلم في مسمى العبادة كدعاء غير الله على ظاهر الاسم في الدعاء .
قوله ( وبذلك يتبين لنا فصل ما بين الوسيلة والشرك فالوسيلة نعظم ما عظمه الله أي تعظيم بالله والتعظيم بالله تعظيم لله كما قال عز وجل ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) وأما الشرك فهو تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانا وتوحيدا وكان سجود المشركين للأوثان كفرا وشركا مع كون المسجود ل في الحالتين مخلوقا ولكن لما كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيما لما عظمه الله كما أمر الله كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب ، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيما كتعظيم الله كان شركا مذموما يستحق فاعله العقاب )
أما سجود الملائكة لآدم عليه السلام فإنه أمر من الله لهم وإكراما لآدم قال ابن جرير في تفسيره ( كان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله لا عبادة لآدم ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال : فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته ) 1/512 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ( أما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله أن نسجد له ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام ) الفتاوى 4/460
وقال محمد رشيد رضا عند تفسير قوله تعالى ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) ( وهو سجود لا نعرف صفته ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة إذ لا يعبد إلا الله تعالى ، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان ووضع الجبهة على التراب وكان عند القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليهم السلام ) المنار 1/265
فالسجود لآدم تكريم وتعظيم كما سبق وهو مأمور به وهو تعظيم مخصوص فماذا يريد د/ جمعة من إيراده هذا المثال هل ليقاس عليه تعظيم غيره يدخل فيه تعظيم ما عظمه الله كتعظيم الأشخاص يقال هل هو تعظيم مخصوص أم مطلق أما تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه معلوم وواجب وهو مما لا يجهله أحد وتعظيمه عليه الصلاة والسم يكون باتباع شرعه وتصديقه فيما أخبر وفعل ما أكمر واجتناب ما نهى عنه وزجر فهو تعظيم مخصوص ولذلك نهانا أن نتجاوز المنزلة التي أنزله الله فقال ( لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ) وأما التعظيم مطلقا فلم يقل به أحد فإنه يدخل فيه كل تعظيم فهل توجب السجود له ودعاءه من دون الله والتوكل عليه وغير ذلك مما حذر منه عليه الصلاة والسلام .
فعلم مما سبق معنى سجود الملائكة لآدم ، وأما سجود المشركين للأصنام فإنه تعظيم مع الله أو من دونه ولا إشكال فيه ، بقي معنا السجود للقبر الذي هو مناط المسألة فمقتضى كلام الشيخ أنه وسيلة إلى تعظيم الصالحين فيكون ذلك جائزا وهذا الكلام مبني على أمرين أحدهما أن كل تعظيم لما عظمه الله فهو وسيلة والثاني أن السجود تعظيم لقبر الصالحين فيكون السجود للقبر وسيلة . والنتيجة باطلة لأن المقدمة الثانية باطلة .
قال شيخ الإسلام في إشارة إلى بعض الأمكنة الوثنية من قبور ومشاهد ( فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت ليس من الإسلام تعظيمها بأي نوع من أنواع التعظيم فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه فإن تعظيم الأجسام عندها بالعبادة أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان ......وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي ( أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ) فإن ذلك المسجد لما بني ( ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ) نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن لصلاة فيه وأمر بهدمه وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيما لما لم يعظمه الله وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر وصدا عن سبيل الله وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله واتخاذها عيدا ..) إقتضاء لصراط 317
قوله ( وعلى هذا الأصل في الفرق بين الوسيلة والشرك بنى جماعة من أهل العلم قولهم بجواز الحلف بما هو معظم في الشرع النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام والكعبة ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أحد قوليه حيث أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم معللا ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به وذلك أنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى بل تعظيمه بتعظيم الله له وحمل هؤلاء أحاديث النهي عن الحلف بغير الله على ما كان متضمنا للمضاهاة بالله ..) وساق عن ابن المنذر مأخذ من قال بهذا القول .
لقد ورد الزجر والتغليظ في النهي بالحلف بغير الله بلفظ الشرك والكفر كما ورد عن عمر رضي الله عنه قال : حدثت قوما حديثا فقلت لا وأبي فقال رجل من خلفي لا تحلفوا بآبائكم فالتفت فإذا رسول الله يقول لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم قال الحافظ وهذا مرسل قوي يتقوى بشواهده وقد أخرج الترمذي وجها آخر عن ابن عمر أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال لا تحلف بغير الله إني سمعت رسول الله يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك قال الترمذي حسن وصححه الحاكم .
و قيد الحافظ ابن حجر الحلف بغير الله الذي حكى د/جمعة فيه الخلاف بعبارة دقيقة أوضح من تعبير المضاهاة بالله فقال ( وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به بما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه ) . فقوله بما يليق به التعظيم دل على خروج ما لم يكن كذلك. قال ابن حجر( واستثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا محمد فقال تنعقد به اليمين وتجب الكفارة بالحنث فاعتل بكونه أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به )
وأوضحه شيخ الإسلام فقال ( فإذا كان النبي قد نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصا عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم فكيف إذا وجد ما هو عين الشرك من الرغبة إليهم سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره كما لا يقسم بمخلوق مطلقا وهذا منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين أصحهما أنه هي نهي تحريم ولم يتنازع العلماء إلا في من حلف بالنبي خاصة فإن فيه قولين في مذهب أحمد وبعض أصحابه .. ولكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البتة ولا يقسم بمخلوق البتة وهذا هو الصواب ) إقتضاء الصراط 407
وأما قول ابن المنذر الذي ساقه فقد تعقبه ابن عبد البر بأن ذكر الأشياء وإن كانت بصورة الحلف فليست يمينا في الحقيقة وإنما خرج على الاتساع ولا يمين في الحقيقة إلا بالله وكذا المهلب بقوله :( والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالله . فتح الباري 11/535
فالحلف على جهة التعظيم للمقبور ـ بما لا يليق به كما قيده ابن حجر ـ هو شرك وقد وجد من يبادر بالحلف بالله فإذا طلب منه الحلف بالولي امتنع خوفا من الحنث وهو الشرك الذي أطلق المقريزي في تجريد التوحيد فقال ( ومن الشرك بالله المباين لقوله تعالى إياك نعبد ) الشرك به في الحلف بغيره كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) صححه الحاكم وابن حبان وروى عن النبي حبان عن سعيد بن عبيدة قال كنت عند ابن عمر فحلف رجل بالكعبة فقال ابن عمر رضي الله عنه ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله يقول ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ص 22
ومثل الحلف بغير الإقسام على الله بالمخلوق قال إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن في هذه
( وإذا تقرر هذا فقد عرفت سلمك الله كلام الناس في مسألة الله بمخلوق والإقسام على الله به وقد ذاكرتك فيها بأن الذي نعتقده أنا لا نكفر بها أحدا بل نقول هي بدعة شنيعة نهى عنها السلف ) الدرر السنية 2/113
قوله ( فإذا ما حصل خلاف بعد ذلك في بعض أنواع الوسيلة كالتوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم مثلا أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يشرع كونه وسيلة كالسجود للقبر أو الطواف به فإنا لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الشرك والكفر ، لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله . )
بهذا التقرير الأخير ينقض ما كان قد نسجه من تعريف الوسيلة والشرك وما كان ذاك إلا توطئة للوصول إلى هذا الهدف .
أما التوسل بالصالحين ـ أمواتا كما هو مراده هنا ـ فيحتمل أمرين :
اتخاذهم وسائط يدعوهم ويرجوهم ويستغيث بهم من دون الله ليقربوه إلى الله زلفى هو الشرك بعينه والثاني سؤال الله تعالى بجاههم ومنزلتهم عنده يعد بدعة
قال الشنقيطي ( التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب لإلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة على وفق ما جاء به الرسول وتفسير ابن عباس داخل في هذا لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته ، وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عنهم ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وقوله ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحان الله وتعالى عما يشركون ) فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل ) أضواء البيان 2/98
وقال الألوسي ( إن لفظ التوسل صار مشتركا على ما يقرب إلى الله من الأعمال التي يحبها الرب ويرضاها ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم ويطلق في عرف عباد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعاءهم مع الله في الحاجات والملمات ) فتح المنان 40
الفرق بين التوسل واتخاذ الوسائط نقل شيخ الإسلام الإجماع على أن الثاني يعد شركا فقال :
( فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسأل غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين 1/124
وقال المقدسي في الفروع ( إن مما يكون كفرا أن يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم قالوا إجماعا ) 6/165 وقد نقل هذا ابن حجر عنه في كتاب الإعلام وأقره بهامش الزواجر 153
قال رشيد رضا في التفسير ( ومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء فقد عبد هذه الواسطة من دون الله لأن هذه الواسطة تنافي الإخلاص له وحده ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة ولذلك قال تعالى ( فاعبد الله مخلصا له الدين إلا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى لله زلفى > فلم يمنعهم توسطهم بالأولياء إليه تعالى إنهم اتخذوهم من دونه ) 3/347
وأما الدعاء عند قبورهم فلم يثبت عن السلف فعله قال شيخ الإسلام ( الوجه الثالث في كراهة قصد القبور للدعاء أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تتخذوا قبري عيدا ) كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من التابعين ... وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا في ذلك الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفا واحدا فيما أعلم ) إقتضاء الصراط 368
وأما قوله السجود للقبر والطواف به من تعظيم الصالحين وعليه فهو وسيلة فهو بيت القصيد من كل هذا التقرير فلا بد من بيان أن هذا هو من تعظيم المقبور وهو الشرك بعينه
قال ابن حجر ( وما تعظيم الصالحين إلا منشأ عبادتهم كما كان ذلك في قوم نوح قال الحافظ ابن حجر ( وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام ثم تبعهم من بعدهم على ذلك ) فتح الباري 8/669
عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله في مرضه الذي لم يقم منه ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا ) رواه الشيخان
وقال الإمام النووي ( قال العلماء إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ) شرح مسلم 5/13
وقال ابن القيم ( ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل عباد يغوث ويعوق ونسر ومنه دخل البلاء على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة فجمع لمشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم وأما المشركون فعصوا أمرهم وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم ) وقال أيضا ( وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن الرسول مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض أنه هذه المبالغة منه باللعن بصيغتيه ليس لأجل النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه ، وارتكب ما عنه نهاه ، واتبع هواه ، ولم يخش ربه ومولاه ، وقل نصيبه أو عدم تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فإن هذا وأمثاله من النبي صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه ، وتجريدا له وغضب لربه أن يعدل به سواه ، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه وغرهم الشيطان فقال هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين وكلما كنتم أشد تعظيما لهم وأشد فيهم غلوا كنتم بقربهم أسعد ومن أعدائهم أبعد ) إغاثة اللهفان
قوله ( ثالثا : أن هناك فارقا أيضا بين كون الشيء سببا واعتقاده خالقا ومؤثرا بنفسه تماما كما مثلنا في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سببا في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه فإذا رأينا مسلما يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعا أو ضرا من غير الله فإنه يجب علينا قطعا أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق لما نعلم من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده وأن هناك من المخلوقات ما ينفع ويضر بإذن الله ويبقى الكلام بعد ذلك في صحة كون هذا المخلوق أو ذاك سببا من عدمه )
وعلى هذه الجملة ثلاث ملاحظات :
* إن هناك فارقا أيضا بين الإقرار بأن الله هو الخالق والفاعل وحده الذي أقر به المشركون وبين توحيد الإلوهية وهو التوحيد الخالص الذي هو الفرقان بين الموحدين والمشركين ، فالشرك الذي يضاد التوحيد الخالص ليس محصورا في شرك الربوبية كمن يعتقد أن الخلق لغير الله أو أن المؤثر هو الله وحده وقد ذكرت الآيات أن المشركين لا يعتقدون ذلك في أصنامهم قال تعالى ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) فهؤلاء كانوا مقرين بأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله وأن معبوداتهم لا تخلق .
* كون الوسائط عنده مجرد أسباب والفاعل في الحقيقة هو الله لا يبرر الإستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله وكذا الأموات من أصحاب القبور ولا يغير من حقيقة الشرك شيئا سواء عبر بالأسباب أو الوسائط أو الوسائل .
قال الألوسي ( وما أورد على الجواب من أن للمستغاث بهم قدرة كسبية أو تسببية ، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى ، سواء كانوا أحياء أم أمواتا ، وسواء كانت الاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث به أم لا ، بأن كون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله ولا يستغاث به ولا يتوكل عليه ولا يلتجأ في ذلك إليه ، فلا يقال لأحد حي أو ميت قريب أو بعيد ارزقني أو أمتني أو أحييي ميتي أو اشف مريضي إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الفرد الصمد ، بل يقال لمن له قدرة سبية قد جرت العادة بحصولها ممن أهله الله لها أعني في حمل متاعي أو غير ذلك ، والقرآن ناطق بحظر دعاء كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو غيرهم وسواء كان الدعاء بلفظ الإستغاثة أو بغيرها ، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر ، ومنشئ البشر والدعاء عبادة وهي مختصة به سبحانه ) فتح المنان 347
وتأمل تمثيل د/جمعة بما ورد في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سببا في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه تجد لازما عجيبا التزم به في حين يحيد عنه الأكثرون لأنه من دائرة الربوبية التي يقرون بها ونزيد ذلك توضيحا بقولنا إن من يجوز دعاء غير الله ويستغيث بالأموات لأنهم أسباب فقط يحتج عليه أيضا بأفعال الربوبية فيقال له ويلزمك أن تقول أيضا فيمن قال للميت أو الحي : أحيي ميتي أنه جائز لأنهم أسباب والمؤثر هو الله والعجيب أن د/جمعة قد بادر بالالتزام به متطوعا في تمثيله السابق ولكن بما هو ثابت في النصوص ونحن نسأله عن مسلك جهلة الصوفية في نسبة ذلك للأولياء ليتضح التمثيل تماما ، ومثله التصرف في الكون وغير ذلك من الأمور التي هي من خصائص الربوبية .
* التصريح بالشهادة في أنه يعلم من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هو بيد الله وحده وأن هناك من المخلوقات ما ينفع ويضر بإذن الله فيه مجازفة ومبالغة ومخالفة لتصرفات كثير من القبوريين الذين يعتقدون ذلك في من يدعونه كما ذكر ذلك الشوكاني فقال : ( وإذا علمت هذا فالرزية كل الرزية ، والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرنا من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة ، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم فصاروا يدعونهم تارة مع الله وتارة استقلالا ويصرخون بأسمائهم ، ويعظمونهم تعظيم من يملك النفع والضر ويخضعون لهم خضوعا زائدا على وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء هذا إن لم يكن شركا فلا ندري ما هو الشرك وإذا لم يكن كفرا فليس في لدنيا كفر ) الدر النضيد ص 7
وذكر ذلك أيضا الصنعاني بقوله : ( فإن قلتَ : القبوريون وغيرهم يقولون نحن لا نعبد هؤلاء ، ولا نعبد إلا الله وحده ، ولا نصلي لهم ولا نصوم ولا نحج، قلتُ : هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد ، وقد حصل في قلوبهم ذلك بما يسمونه معتقدا ، ويصنعون له ما سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك ، وقد ذكر العلماء أن من تزيا بزي الكفار صار كافرا ، ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافرا ، فكيف بمن بلغ الرتبة اعتقادا، وقولا ، وفعلا ) تطهير الاعتقاد 46
فلا يسلم له بلفظ العموم وإطلاق الكلام على عواهنه فإن جهلة المتصوفة يخالفونه في ذلك ويعتقدون أن للأولياء تصرفا في الكون وأنهم يفعلون ما يريدون ويحيون ويميتون وكذا ، ولو قرأ طبقات الشعراني لاتضح له هذا الكلام .حيث أورد في طبقات الأولياء وتراجمهم أن منهم من صرفه الله في الكون 506 ومنهم من له التصرف في العالم 257 ومنهم إذا مات انقطع تصرفه في الكون من الإمداد 525 ومنهم أربعة يتصرفون في قبورهم 259 ـ 533 ومنهم من يتحمل البلاء بأكلة 360 ومنهم رحى الوجود بيده 508 ومنهم أمان مصر 499 إلى غير ذلك من مخاريق الصوفية التي تطفح بها كتبهم .
قوله ( وإذا تقررت هذه الأصول الثلاثة فإنه يجب علينا استحضارها في الكلام على حكم الطواف بالقبور ، فإذا علمنا أننا نتكلم في أفعال تصدر من مسلمين ، وأن المسلمين يزورون هذه الأضرحة والقبور اعتقادا منهم بصلاح أهلها ، وقربهم إلى الله ، وأن زيارة القبور عمل صالح يتقرب ويتوسل به إلى الله تعالى ، وأن الكلام إنما هو في جواز بعض ما يصدر عن هؤلاء المسلمين من عدمه ، وأن في بعض أقوالهم خلافا بين العلماء ، وفي بعضها خطأ محض لا خلاف فيه ، إذا علمنا هذا كله فإنه يتبين لنا بجلاء أنه لا مدخل للشرك ولا للكفر في الحكم على أفعال هؤلاء المسلمين ، في قليل ولا كثير ، أو من قبيل أو دبير ، بل ما ثم إلا الخلاف في بعض الوسائل ، والخطأ المحض في بعضها الآخر من غير أن يكون شيئا من ذلك تكفيرا لمن ثبت إسلامه بيقين )
إذا تقررت هذه الثلاثة الأصول فلينعم القبوريون بأنه ليس هناك شركا ، وليقروا عينا في استغاثتهم بغير الله والسجود للقبر والطواف به ، وكل أصل منها كاف لتبرير هذه الأفعال والأقوال التي يكفر صاحبها وإما بمجموعها فهي مصادمة للنصوص وميل عن القسط الذي أمر الله الناس أن يقوموا به ، والذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط )
وما أشار إليه من زيارة الأضرحة لا تخلو من أحد هذه الأمور فمن يزورها لتذكره الآخرة والدعاء لهم فهي الزيارة الشرعية ، ومن يزور ويسأل الله بجاههم فهي الزيارة البدعية ، ومن يزور يدعو بهم ويتخذهم وسائط اعتقادا بصلاح أهلها وقربهم إلى الله فهو شرك في الإلهية ، ومن يزور ويدعوهم أنفسهم لاعتقاد أن لهم تصرفا فهؤلاء هم المشركون في الربوبية .
وأما د/جمعة فعنده أن أفعال وأقوال الزائرين للأضرحة اعتقادا بصلاح أهلها وقربهم إلى الله ثلاثة أقسام ليس فيها شرك وهي ما هو جائز، والثاني الذي فيه خلاف ، والثالث ما هو خطأ محض ، ومن كلامه السابق فإن الدعاء لغير الله والاستعانة والسجود للقبر والطواف به لا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة وبهذا فقد أوصد باب الشرك والحكم بالكفر بحجة أن هؤلاء مسلمون .
وحجة كون من يقارف الشرك ولا نحكم بأن فعله أو قوله شرك لكون إسلامه ثبت بيقين عارية عن الصحة ، وتحكم بلا دليل لأن الأسماء لا تغير من الحقائق شيئا ، فعياذا بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام وهو يظن أنه مسلم موحد.
قال الصنعاني ( والنذر بالمال على الميت ونحوه والنحر على قبره والتوسل به وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنا وصنما وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا والأسماء لا أثر لها في تغيير المعاني .... وكذلك تسمية القبر مشهدا ومن يعتقدون فيه وليا لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بهم طواف الحجاج لبيت الله الحرام ويستلمونهم استلامهم لأركان البيت ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية من قولهم على الله وعليك ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها .. ) تطهير الاعتقاد 39
وقال محمد رشيد رضا في تعليقه على صيانة الإنسان ( ومن عجائب جهل دحلان وأمثاله أنهم يظنون أن ما بينه القرآن من بطلان شرك المشركين خاص بهم لذواتهم وليس بحجة على من يفعل مثل فعلهم كأن من ولد مسلما يباح له الشرك لجنسيته الإسلامية وإن أشرك بالله في كل ما عده كتاب الله شركا وعلى هذا لا يتصور وقوع الردة في الإسلام لأن من سمي مسلما يجب أن يسمى كفره إسلاما أو يعد مباحا أو حراما على الأقل وقد يعدونه مشروعا بالتأويل ) ص 487
قوله ( وباستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف بالقبور نراها دائرة بين الحرمة والكراهة ، أي منهم من يرى في الطواف وسيلة محرمة يأثم فاعلها ، ومنهم من يرى أنه يستحب للمسلم تركه ولكنه إن فعله فلا عقاب عليه ، والقول بالكراهة هو المعتمد عند السادة الحنابلة كما في كشف القناع لخاتمة محقيقهم العلامة البهوتي ، والقول بالتحريم هو مذهب جمهور العلماء وهو الذي عليه الفتوى )
إن استعراض أقوال العلماء في الطواف بالقبور إنما منهي عنه لما مناطه التعظيم الذي يجعله مشابها للكعبة كما سبق ، وأما إذا كان التعظيم للقبر أو صاحبه فذاك كفر ، فالتشبه هنا مكروه وأشبه أن يكون كراهة تحريم منه بكراهة التنزيه.
ومن ذلك ما ورد عن شيخ الإسلام ( والرجل الذي طلب من والده الحج فأمره أن يطوف بنفس الأب فقال : طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط فهذا كفر بإجماع المسلمين ، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به رسوله ، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين ومن اعتقد ذلك دينا فهو كافر سواء طاف ببدنه أو قبره ) الفتاوى 2/308
( ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة ، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة ... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك ، فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما يطاف بالكعبة ؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ) 27 /10
وأما الطواف الذي هو من جنس العبادة ، ويذكره د/جمعة في سياق السجود للقبر ، والدعاء والاستغاثة بصاحبه فصرفه لغير الله شرك قال تعالى ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) . ولذلك لم يفصل العلماء فيه وإنما أطلقوا الحكم فيه قال ابن القيم ( يتخذ قبره وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القناديل ويعلق عليه الستور ويبنى عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده ثم ينقله درجة أخرى أي الشيطان إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ) إغاثة اللهفان 1/217.
وكونه فعلا لا يخرجه عن الحكم المترتب عليه لما سبق تحريره في مناقشة الأصل الأول قال المقريزي ( تضمنت هذه الآية <إياك نعبد > تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة وأنه لا يجوز إشراك غيره معه لا في الأفعال ولا في الأقوال ولا في الواردات ، فالشرك به في الأفعال كالسجود لغيره ، والطواف بغير بيته المحرم ، وحلق الرأس عبودية وخضوعا ، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها ) تجريد التوحيد 19
قال الصنعاني ( فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له ، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده ، والاستعانة باله وحده ، واللجا إلى الله ، النذر والنحر له تعالى ، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللا لله تعالى ، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب ، والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله عز وجل ) تطهير الاعتقاد 28
قال الشوكاني ( وكذلك النحر للأموات عبادة لهم ، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم ، والتعظيم عبادة لهم ، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال ، والخضوع والاستكانة عبادة لله عز وجل بلا خلاف ، ومن زعم أن ثم فرقا بين الأمرين فليهده لنا ، ومن قال أنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم فقل له : فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع ؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك ، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عرض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك ..) الدر النضيد ص 20
كما أن إطلاق بعضهم التحريم ينبغي أن لا يفرح به في البراءة من الحكم بالشرك كما هو صنيع من يقتطع عبائر التحريم من الفقهاء ليستدل بها على هواه ويضل بها الناس ، وقد اشتد نكير الشيخ محمد بن عبد الوهاب على من زعم أن النذر لغير الله إنما هو من المحرمات التي هي دون الشرك فقال في بيان هذا التلبيس في جوابه على ابن سحيم حين زعم أن النذر لغير الله ليس بشرك ( فدليلك قولهم النذر لغير الله حرام بالإجماع فاستدللت بقولهم حرام على أنه ليس بشرك فإن كان هذا قدر عقلك فكيف تدعي المعرفة ؟ يا ويلك ما تصنع بقول الله تعالى ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين ‘حسانا ) فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر يا هذا الجاهل لمركب . ما تصنع بقول الله تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن إلى قوله تعالى وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه ؟ يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام أنه ليس بكفر ، فقولك أنظاهر كلامهم ليس بكفر كذب وافتراء على أهل العلم ، بل يقال ذكر ذلك أنه حرام وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر والدليل عليه أنه مصرح في الإقناع أن النذر عبادة ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها لا يعبد إلا الله فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره كيف لا يكون شركا ) مجموعة مؤلفات محمد بن عبد الوهاب 5/229
ومن ذلك قول ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ( الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها ) ثم قال بعض الحنابلة : قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا به عين المحادة لله ورسوله ، وابتداع دين لم يؤذن به الله، للنهي عنها تم إجماعا ، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها ، واتخاذها مساجد ، أو بناؤه عليها ، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك ، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي لعن فاعله ، ويجب المبادرة لهدمها ، وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار ، لأنها أسست على معصية رسول الله ، لأنه نهى عن ذلك وأمر رسول الله بهدم القبور المشرفة وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره ) 1/120
قوله ( أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له اللهم إلا على افتراض أن الطائف يعبد من في القبر ، أو يعتقد أنه يجلب الضر والنفع بذاته ، أو يعتقد بأن الطواف عبادة شرعها الله كما شرع الطواف بالبيت ، وكلها احتمالات ينأى أهل العلم عن حمل فعل المسلم عليها كما سبق لأن فرض المسألة في المسلم الذي يطوف بالقبر لا في غير ذلك . ولا يجوز للمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بمثل هذه المسائل ويجعلوها قضايا يحمل بعضهم فيها سيف الكلام على صاحبه فيكون جهاد في غير وغى ويكون ذلك سببا في تفريق الصفوف وبعثرة الجهود ).
العبادة قد سبق أنواعها وأن من دعا غير الله واستغاث به وذبح ونذر فقد عبده من دون الله ، وأما اعتقاد أن المقبور يجلب الضر والنفع بذاته فإن هذا لم يكن يعتقده بعض المشركون الأوائل ، وربما وجد طوائف يعتقدون ذلك كما سبق وأما بيان التوحيد وما يضاده من الشرك والتحذير منه من أعظم الجهاد الذي قام به عليه الصلاة والسلام والمعركة بالبيان مع من يروج لأسبابه ويصد الناس جهاد في وغى وكيف يفسح المجال لمن يمزق الصفوف بالدعوة إلى القبور ويطالب أتباع التوحيد بالسكوت وإذا ما قاموا لله وصموا بالتفريق ، فالاشتغال بذلك من الواجبات .
وأما كون الحديث عن هذه الأمور سبب لتفريق الصفوف ، وبعثرة الجهود فيحضرني نقل عجيب يشبه ذلك عن أحد علماء الأزهر حين كتب مقالا يقول فيه لمنكر وجود السيدة زينب في هذا القبر ووجود رأس الحسين في القبر لمنسوب إليه ( إنك جئت تفجأ المسلمين في اعتقاداتهم المقدسة النبوية فإنك تريد أن تطير البقية من دينهم ) مجلة المنار 3/222
وبقي أن نذكر بعض المشاهد للطائفين بالقبور :
ـ قال رشيد رضا يصور جماعة من هؤلاء القبوريين ( تطوف حول قبر السيد البدوي الذي تحول إلى كعبة ثانية وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقرته العجيبة في قضاء الحوائج .) دمعة على التوحيد 64
ـ قال عبدالله بن محمد خميس يصور مشهدا عند قبر ابن عربي في دمشق
( لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق فوجدت فئاما من الناس يغدون إليه ويروحون .. وجدتهم يطوفون حوله ويتوسلون به ويعلنون دعاءهم له من دون الله ، وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح وتمرغه وتنادي أغثني يا محيي الدين ) دمعة على التوحيد 70
ـ وكذلك قبر بهاء الدين زكريا في الهند يطوفون حوله ويعملون ويصنعون على قبره جميع الأعمال اللائقة بالمعبود كالسجود والنذور وما أشبه ذلك وكذلك ضريح علي الهجوري في لاهور في باكستان وهو من القبور العظيمة والناس يزورونه كل سنة بل كل يوم ويطوفون حوله ويسجدون له ويقدمون النذور ويستغيثون به ويطلبون العون والمدد ) دمعة على التوحيد 70
ـ قال عبد الرحمن الوكيل ( كنت أطوف حول صنم البدوي حتى إذا مثلت أمام الكوة الصغيرة في وثنه النحاسي البراق أنفذت منها يدي في رعشة التقديس حتى ألمس ستر القبر ثم أخرجها رويدا رويداً فيحرص وحذر بالغين ..) دمعة على التوحيد 62
وقد يتجاوز الطواف إلى أبعد من ذلك قال محمد رشيد رضا في مشاهدته بعض العامة رجالا ونساء في مسجد الحسين بالقاهرة ( يطوفون بعمود من الرخام ويتمسحون به التماسا للبركة وتقربا إلى السيد البدوي معتقدين أنه يجلس بجانب هذا العمود عند زيارة جده الحسين منهم من يزعم أن روح الحسين ترفرف دائما هناك ) دمعة على التوحيد
وأخيرا ذكر بعض الأسباب التي تدعو إلى عدم الكلام في هذه القضايا
يبن محمد رشيد رضا أن الذي دفع العلماء إلى السكوت عن هذه الأمور خوفهم من الوقوع في قضية إنكار الكرامات أو الاعتراض على الأولياء الذي يخشى معه أن يلحقوا بهم الأذى والضرر ) دمعة على التوحيد 164
وذكر أنه كان مرة في قبة الإمام الشافعي وكان ثم جماعة من أكابر علماء الأزهر وأشهرهم فأذن المؤذن العصر مستدبرا القبلة فقال لهم لم لمْ يستقبل هذا المؤذن القبلة كما هي السنة ؟ فقال أحدهم إنه يستقبل ضريح الإمام ! وذكروا أيضا إنهم لا ينكرون على من يستقبل قبر الإمام في الصلاة !! ) دمعة على التوحيد 163
أما الحوار الذي كان سببا لفتوى د/جمعة وكان مع د/ محمد عبد الغفار الشريف فإننا نقف معه ثلاث وقفات على النحو التالي :
الأولى : قوله ( أما الطواف بالقبور فغير مشروع عبد كل علماء المسلمين بمن فيهم الصوفية واختلفوا هل هو حرام أم مكروه ولم يقل أحد بأنه شرك إلا بعض المعدودين على الأصابع ممن ينسب إلى العلم قم نقل كلاما لشيخ الإسلام وفي آخره ( ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة ، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة .) ولك م يكمله .
وقد أطلنا الحديث حول مسألة الطواف بالقبر وأن كلام العلماء الذين نقله مناطه التعظيم الذي يجعله مشابها للكعبة كما سبق ، وأما إذا كان التعظيم للقبر أو صاحبه فذاك كفر ، فالتشبه هنا مكروه كراهة تحريم كما عليه الجمهور، وأما الطواف الذي هو من جنس العبادة ، ويذكره د/جمعة في سياق السجود للقبر ، والدعاء والاستغاثة بصاحبه فصرفه لغير الله شرك قال تعالى ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) . ولذلك لم يفصل العلماء فيه وإنما أطلقوا الحكم فيه قال ابن القيم ( يتخذ قبره وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القناديل ويعلق عليه الستور ويبنى عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده ثم ينقله درجة أخرى أي الشيطان إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ) إغاثة اللهفان 1/217.
وأما تمام كلام شيخ الإسلام الذي لم يتمه د/ الشريف (... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك ، فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما يطاف بالكعبة ؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ) 27 /10
وهو صريح بأن الطواف بالصخرة في المسجد الأقصى أشد من الصلاة إليها وحكمه عليه بالكفر !! فلماذا لم ينقله د/ الشريف ؟
الثانية قوله ( الذي أعرفه من نفسي ويعرفه عني أحبابي وطلبتي أن تركيبتي الفكرية والشخصية تتنافر مع الخرافات فكيف أكون داعية إليها أما التصوف المستنبط من الكتاب والسنة والذي يسمى إحسانا في المصطلح الشرعي فيشرفني أن أكون من دعاته إذا أذن لي بذلك العلماء العارفون المتحققون بالشروط الشرعية ويكفي أن أذكر منهم معروفا الكرخي الذي أثنى عليه كالعلماء الإسلام بمن فيهم ابن تيمية ومنهم الإمام الغزالي الذي تفخر به البشرية ومنهم الإمام النووي حسب ما ذكره تلميذه ابن العطار في سيرته )
أما التصوف المستنبط من الكتاب والسنة فهو الذي بمعنى الزهد وكان عليه السابقون كمعروف الكرخي قبل أن يتطور من جانبين الجانب العملي وما يشوبه من الخلوات والجوع والصمت والسياحة في البراري والجانب الفلسفي كالفناء والجمع ، والحلول والاتحاد ، ووحدة الوجود ، والحقيقة المحمدية ، والإنسان الكامل ، وأن الإنسان يسعه الخروج عن الشريعة بحجة علم الباطن الذي يمتلكه الصوفية ، وصار الوصول إلى إنسان كامل يعبرون عنه بحق في صورة خلق هو الغاية وعليه فتنسب إليه خصائص الألوهية من التصرف في الكون وإحياء الموتى وادعاء علم الغيب وغيرها مما هو مسطر في دواوين الصوفية ، وصار هذه المفاهيم بمجموعها تدل على التصوف .
فالتصوف المستنبط من الكتاب والسنة لم يعد كباقي الوشم في ظاهر اليد ، وعلى الدكتور الشريف أن يفصل حين يتحدث عن ما ينتحله من تصوف بالبراءة من كل شائبة طرأت على المفهوم ليعود ويعيش في القرن الثالث الهجري الذين هم مقصود شيخ الإسلام في القسم الثالث من قوله ( ابن عربي وأتباعه وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة ، ليسوا من صوفية أهل الكلام فضلا وأن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبدالله التستري وأمثالهم ..) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان .
وأما قوله عن التصوف بأنه الإحسان فهو يتضمن معنيين أحدهما ما ذكره د/ الشريف والثاني ما أقدم عليه بعض غلاة الصوفية من تأويل حديث ـ فإن لم تكن تراه فإنه يراك ـ بغير علم فقال : فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء وتقديره فإن لم تكن أي فإن لم تصر شيئا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه وغفل قائل هذا للجهل بالعربية عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله تراه محذوف الألف لأنه يصير مجزوما على زعمه جواب الشرط ..فتح الباري 1/120
الثالثة قوله ( ومما أعلمه وأعتز بذلك شرح الحكم العطائية لابن عباد الرندي الذي مدحه الإمام الشاطبي وغيره وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي الذي أثنى عليه وعلى كتابه المسلمون وغيرهم ولا يهمني رأي فئة قليلة من الناس لا ترى الحق إلا فيما تعتقد )
أما الحكم بالأغلبية في المسائل العلمية فليس بمسلك المنصفين قال أبو علي الفضيل بن عياض ( اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ) ولا يستوحش الدكتور باتباع الفئة القليلة فكم من فئة قليلة غلبن فئة كثيرة لما معها من الحق ، ولا شك أن إحياء علوم الدين قد تضمن من دائرة الرقائق وتهذيب النفوس وإصلاح القلوب ما يثني عليه المنصف ، ولكن فيما يتعلق بالحديث عن التصوف وأهله فلا يوافق عليه إلا جاهل أو ضال وأبرأ بالدكتور أن يكون أحدهما ، وأضع هنا ما يكون من صميم الموضوع
ـ هل يقر د/ الشريف ما فيه من تقسيم التوحيد إلى أربعة أقسام أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله ، الثانية : أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كم صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام ، الثالثة : أن يشاهد بطريق الكشف بواسطة نور الحق وهو مقام المقربين ، الرابعة : أن لا يرى في الوجود إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا وهي مشاهدة الصديقين ، وتسميه لصوفية الفناء في التوحيد لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا فهو ( موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل من حيث أنه واحد ) وأضاف ( فإن قلت : كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا ؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون إفشاء سر الربوبية كفر ) وأجاب ( إن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول إنه إنسان واحد ..... وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال من أنت فقال أدور في الأسفار لأصحح حالتي التوكل فقال الحسين قد أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد )4/245ـ247
ـ وهل يقر فيه قول الغزالي فيما ينقله عن أبي تراب النخشبي لبعضهم ( لئن رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة ) 4/356
أم هل يقر قول أبي يزيد لأحد أعيان بسطام ( قولك سبحان الله شرك ، لأنك سبحت نفسك فعظمتها وما عظمت ربك ) 4/358
ـ ألم يقرأ قول الغزالي في آداب الخلوة ( ويخلو بنفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة القرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا يكتب حديثا ) 3/19 وقوله ( القلوب وإن كانت محترقة بحب الله تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن ) ( واعلم أن الغناء أشد تهييجا للوجد من القرآن لوجوه عديدة ) 2/301
ـ ألم يمر على تقسيم الغزالي الناس إلى صنفين ( الصنف الأول وهم الأذكياء الذين لا يطلبون الجنة وإنما يطلبون مجالسة رب العزة دائما والصنف الثاني وهم البله أي البسطاء الذين يتمتعون في الجنة بالنسوان والطعام والشراب كالبهائم ) 4/335 (وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر ) 3/25 اعلم أن المريد في ابتداء أمره ينبغي أن لا يشغل نفسه بالتزويج فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك ويستجره إلى الأنس بالزوجة )2/301
ـ وقوله ( إن من أولياء الله من تزوره الكعبة وتطوف به )1/269
وحسبنا هذه التي تتعلق بمسائل التصوف والحديث عن أهله إذ الغرض المثال لا الاستكثار ، ولو قيد د/ الشريف الاستفادة من إحياء علوم الدين بما فيه من الرقائق مع الإعراض بل الانتقاد لما حواه من ترهات الصوفية لأرشد .
والله أسأله الهداية والرشاد وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
كتبه أكرم مبارك عصبان